إميل نخلة: اعتداء البحرين على الصحافة الحرة

منصور الجمري يتسلم الجائزة الدولية لحرية الصحافة من لجنة حماية الصحافيين بنيويورك نوفمبر 2011  (مايكل ناجلي)
منصور الجمري يتسلم الجائزة الدولية لحرية الصحافة من لجنة حماية الصحافيين بنيويورك نوفمبر 2011 (مايكل ناجلي)

إميل نخلة - موقع لوبلوغ - 2017-07-22 - 1:21 ص

ترجمة مرآة البحرين

قرار الحكومة البحرينية في 4 يونيو/حزيران بإغلاق صحيفة الوسط إلى أجل غير مسمى يؤكد مجددًا استمرار النّظام في الاعتداء على حرية التّعبير والإعلام المستقل. زعمت وزارة الإعلام في بيانها أنها أغلقت الصحيفة بسبب "انتهاكها للقانون ونشر معلومات متكررة تزرع الانقسام في المجتمع وتؤثر على علاقة البحرين مع الدّول الأخرى". هذا الزعم مزيف وعار من الصحة، كما أظهرت البيانات الرسمية السابقة ضد صحيفة الوسط والمعارضة السلمية ووسائل الإعلام الإلكترونية.

 هذا القرار ليس مفاجئًا، نظرًا لتاريخ النظام في القمع والانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان. غير أن ما يثير الدّهشة هو أن كلًا من الرئيس  ترامب ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، اللذين سافرا مؤخرًا إلى الخليج، لم يحتجا على التّدابير الصارمة للبحرين ضد الصحيفة الوحيدة في البلاد التي لا تخضع للنّظام. الصمت المصم لإدراة ترامب في الدفاع عن الصحافة الحرة في البحرين أمر مروع، وهو يمنح مجددًا ضوءًا أخضر للأنظمة المستبدة في البحرين والدول المجاورة لاضطهاد شعوبهم متى ما أرادوا ذلك.

عند الإعلان عن إغلاق صحيفة الوسط، صرح منصور الجمري، وهو رئيس التّحرير، أن "الأمر هذه المرة مختلف كثيرًا. التوقيفات السابقة دامت من يوم إلى ثلاثة أيام. هذا التّوقيف الرابع أصبح دائمًا".

وبعد عشرين يومًا من إعلان وزارة الإعلام البحرينية عن إغلاقها [الوسط]، أعلم رئيس مجلس إدارتها الموظفين، بمن في ذلك رئيس التّحرير، أنّه كان ينهي عقود توظيفهم بسبب الخسارة النّاتجة عن قرار الوزارة بإغلاق الصحيفة.

لماذا صحيفة الوسط؟

عاد منصور الجمري من لندن إلى البحرين ليدير الوسط في يونيو/حزيران 2002، خلال الفترة الحماسية لحملة الإصلاح المزعوم التي روّج لها الأمير حمد في ميثاق العمل الوطني في العام 2001. تم الترخيص للصّحيفة للعمل كمنشور مستقل وكانت ملتزمة بأجندة الإصلاح.

وفي السنوات الـ 15 الماضية، وعلى الرّغم من التذمر المستمر من قبل النّظام، ظلت الوسط داعمة سلمية لأجندة ديمقراطية، مشابهة جدًا لتلك التي وعد بها الأمير، ولاحقًا الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الحاكم الجديد آنذاك للبحرين.

منصور الجمري، وهو بحريني ومواطن شيعي معتدل كان قد عاش ودرس في بريطانيا في منفى اختياري فرضه على نفسه في انتظار قدوم حقبة جديدة من الحوار السياسي العقلاني قبل أن  يتمكن من العودة إلى وطنه. وعد الأمير حمد بمثل هذا الانفتاح في ميثاق العمل الوطني في العام 2001. وقد علّق البحرينيون، كما المجتمع الدّولي، الكثير من الآمال على رغبة الحاكم الشاب في إحداث إصلاح سياسي شامل في البلاد لكل المواطنين أي كلّا من الغالبية الشّيعية والأقلية السّنية. ودعا البحرينيين المقيمين وراء البحار إلى العودة والمشاركة في تجربة الإصلاح من خلال وسائل سلمية في محيط من حرية التّعبير وحرية التّجمع والنّشاط السّياسي. وكانت مؤسسات المجتمع المدني والنوادي الاجتماعية ستشارك بدلًا من الأحزاب السّياسية في العملية السّياسية.

آمن الجمري بهذا الوعد، وعاد إلى البحرين، وأطلق صحيفة الوسط في 7 سبتمبر/أيلول 2002. وسرعان ما وجدت الصحيفة إقبالًا كبيرًا من القراء بسبب تغطيتها العادلة والمتوازنة للأخبار، وافتتاحياتها وأبوابها. وقد كتب عدد من البحرينيين المحترمين من مختلف الانتماءات الأيديولوجية بانتظام كضيوف في أبواب الصّحيفة. قبل الجمري بحكم آل خليفة غير أنّه دعا باستمرار إلى التّنفيذ الكامل لأجندة الملك حمد للإصلاح كما عبر عنها في الميثاق الوطني.

دعت الوسط إلى فتح النظام السياسي أمام كل المواطنين، بالاستناد إلى السلام والكرامة وسيادة القانون. ومن المؤسف بالنسبة للجمري والوسط، أن النظام بدأ بالتراجع عن أجندة الإصلاح، الأمر الذي عزاه كثيرون آنذاك إلى الانقسامات العميقة داخل الأسرة الحاكمة والضغوط المناهضة للإصلاح من الخارج، وخاصة من السعودية.  

البعض داخل الأسرة الحاكمة، بمن في ذلك رئيس الوزراء المحافظ الشيخ خليفة بن سلمان، وهو شقيق الأمير السابق وعم الأمير الحالي، عارضوا بشدة ميل الملك الجديد للإصلاح وعمل على تقويضه. رئيس الوزراء، وهو صاحب أكبر مدة في رئاسة الوزراء في العالم، عارض كافة الإصلاحات، لأنّه اعتقد أنّها ستضعِف قبضة العائلة الحاكمة على السلطة.

الفصيل الآخر داخل الأسرة، الذي دعم الإصلاحات بشكل عام تحت مظلة العائلة الحاكمة، كان بقيادة حمد وابنه، ولي العهد لاحقًا، الأمير سلمان. وقال هو ومؤيدوه إنّ الحكم الشامل يوفر الفرصة الأفضل للاستقرار الدّاخلي. وإن كانت العائلة تأمل البقاء، فعليها أن تشرك غالبية الشعب.

وحين وجد نفسه عالقًا بين هذه القوى المتنافسة القوية، أذعن حمد للأمر. الإصلاح الحقيقي الوحيد الذي انبثق عن ميثاق العمل الوطني كان أن حمد أعلن نفسه ملكًا (بعد أن كان أميرًا) وأعلن بلاده مملكة البحرين.

وقد شعرت المجموعات والنشطاء المؤيدون للديمقراطية، بما في ذلك الوسط والجمري، بخيبة أمل، بسبب أجندة الإصلاح المتجمدة غير أنّهم واصلوا رهانهم المتأمل بالملك الجديد. وقد أملوا في أن يتمكن ابنه، ولي العهد سلمان المعين حديثًا، من توجيه والده نحو الإصلاح الحقيقي، بمجرد تمركزه [الأمير سلمان] في موقع قوة مقابل التقليديين المناهضين للإصلاح داخل العائلة.

واصلت صحيفة الوسط الدّفع باتجاه الإصلاح السياسي، والحوار الوطني غير الطائفي، والمساواة تحت مظلة القانون، والانتخابات الوطنية العادلة والحرة. وعلى الرغم من بقاء الصحيفة ورئيس تحريرها مؤمنين بمقاربتهما السلمية للتّغيير السياسي لأكثر من عقد، أصبحا على اللائحة السوداء للنظام، لكنهما واصلا النشر،  وإن كان ذلك على أساس حذر.

ومنذ الربيع العربي، وصعود ائتلاف شباب 14 فبراير في البحرين في العام 2011، وانتشار المواجهات في "أيام الغضب"، أصبحت سياسات النّظام ضد المحتجين السلميين أكثر وحشية ودموية. وأسكتت قوات الأمن وفرق مكافحة الإرهاب التابعة للنظام كل أصوات المعارضة، بما في ذلك الصحافة. وردًا على الضغط المتزايد وخشية منه على البقاء في مركزه، حث الملك حمد وعمه رئيس الوزراء السعودية على التّدخل وإرسال قواتها إلى البحرين لمحاربة المعارضين. واستخدم النّظام الطّائفية لإخضاع الغالبية الشيعية والحفاظ على حكم الأقلية السنية. وقد رأى السعوديون في وجودهم في البحرين  ضوءًا أخضر لقتل السكان الشيعة.

ومع استمرار الانتفاضة، كان الجمري والوسط حذرين جدًا بين التزامهما بالإصلاح من خلال الوسائل السلمية وتصلب الفصيل المناهض للإصلاح داخل العائلة الحاكمة. اعتُقِل آلاف الأشخاص بسبب تهم مشبوهة، وعُذِبوا وأُدينوا في محاكمات صورية. حُظِرَت الوسط ثلاثة مرات منذ العام 2011 على خلفية ادعاء زائف بأنّها قوضت الاستقرار المحلي. وقد وضع الحظر الذي فُرِض في 4 يونيو/حزيران خارج نطاق العمل إلى أجل غير مسمى.

لماذا الآن؟

قرار النّظام ضد صحيفة الوسط كان مدعومًا من قبل التحالف السعودي والإماراتي والمصري  والبحريني ضد قطر. وجدت العائلة الحاكمة في إغلاق الوسط جزءًا من الحملة الدكتاتورية الرباعية ضد الصّحافة الحرة في المنطقة. ووجد النّظام أن قراره بحظر الصحيفة ومطالبة الدّول الأربع بأن تغلق قطر الجزيرة وجهان لعملة واحدة.

هؤلاء المستبدون يعارضون الصحافة الحرة -المطبوعة والرقمية والتّلفزيون- لأنهم يرفضون أن تتم مساءلتهم عن الفساد والقمع أمام شعوبهم. إنهم يحرمون حرية التعبير والفكر وليس باستطاعتهم تحمل أي وسيلة إعلامية غير موالية وخاضعة  ومتملقة.

ربما يكون حكام هذه الدّول اعتقدوا أن اعتداءهم على الصحافة سيضيع وسط الأعمال الانتقامية وحملة العلاقات العامة التي شنّوها ضد قطر. لقد حسبوا أيضًا، بشكل صحيح حتى الآن، أن الرّئيس ترامب، لا سيما بعد احتضانه الحماسي للقيادة السعودية، سيتجاهل حربهم على وسائل الإعلام وسيشاركهم رأيهم بأن وسائل الإعلام المستقلة والصادقة لا تقدم إلا "أخبارًا زائفة". ومنذ بدء عمل الجمري والوسط في العام 2002، لم يقدما "أخبارًا زائفة" أو يدعوَا إلى الفتنة. ولم يتخليا أيضًا عن التزامهما بالحوار الوطني السلمي.

فشلت الأنظمة الاستبدادية الأربعة في الإدراك أنه على الرغم من أن ترامب قادهم إلى الاعتقاد بأنهم كسبوا دعمه، إلا أنه ليس لإدارته رأي واحد بشأن العداء في الخليج. كانت واشنطن تحث السّعوديين وشركاءهم على التراجع عن المواجهة مع قطر. استنتجت الاستخبارات الأمريكية أن الإمارات كانت وراء قرصنة وكالة الأنباء القطرية ونشر "أخبار زائفة" باسم الأمير القطري. ولم يوافق وزير الخارجية تيلرسون على طلبهم إغلاق الجزيرة. لقد تراجع عدوانهم ضد قطر. وستواصل قناة الجزيرة البث. حتى الآن، لا يزال الجمري والوسط الضحية الوحيدة في "الحرب الباردة" العربية الجديدة. هل سيسمح الشعب البحريني بهذا القرار؟

 

النص الأصلي